أبو نصر الفارابي

32

كتاب الحروف

وهناك دلائل أخرى تشير إلى الصلة بين كتاب « الحروف » وكتاب « ما بعد الطبيعة » . منها أنّ الفارابيّ يرجع إلى كتاب « المقولات » لأرسطوطاليس مرّات عدّة ويصرّح أنّ أرسطوطاليس قال أو بيّن أمرا ما في كتاب « المقولات » ، ممّا يدلّ على أنّ كتاب « المقولات » غير الكتاب الذي يشرحه في كتاب « الحروف » . وكذلك يقول الفارابيّ إنّه ذكر هو أمورا من قبل ، يظهر أنّها ذكرت في شروحه لكتاب « المقولات » . أمّا كتاب « ما بعد الطبيعة » فلا يذكره الفارابيّ بعنوانه مع أنّه يشرح أجزاء كبرى منه ويقتطف من نصّه مواضع عديدة . فكأنّ كتاب « الحروف » بكامله هو تفسير لكتاب « ما بعد الطبيعة » . فالفارابيّ يفترض أنّ قارئ كتابه قد اطّلع على كتاب « ما بعد الطبيعة » أو أنّه يقرأ في الكتابين معا ، وأنّه يعرف المواضع التي يشار إليها من كتاب « ما بعد الطبيعة » . ومنها ترتيب كتاب « الحروف » الذي لا يتّفق وترتيب المقولات في كتاب « المقولات » ( وترتيب المقولات في كتاب « المقولات » كان قد أصبح تقليدا تبعه أغلب مفسّري الكتاب ومنهم الفارابيّ ، راجع ترتيب كتاب « قاطاغورياس أي المقولات » للفارابيّ مثلا ) . وأخيرا فإنّ أكثر ما يقتطفه ابن رشد من كتاب « الحروف » موجود في كتابين من كتبه ، هي « تلخيص ما بعد الطبيعة » و « تفسير ما بعد الطبيعة » ، ولا نجد شيئا منه في كتابه « تلخيص كتاب المقولات » . فابن رشد عرف من موضوع كتاب « الحروف » وترتيبه أنّه شرح لكتاب أرسطوطاليس في « ما بعد الطبيعة » لا لكتابه في « المقولات » . والنصّ الذي يلخّصه ابن رشد من كتاب « الحروف » في « تفسير ما بعد الطبيعة » وضع في تفسير مقالة الدال أو المقالة الخامسة من كتاب « ما بعد الطبيعة » . وهذه هي المقالة التي يسمّيها أرسطوطاليس « القول الذي ذكرنا فيه على كم نوع يقال الشيء » ، أو « المقالة التي بيّنّا فيها على كم نوع تقال الأسماء المستعملة في هذا العلم » كما يقول ابن رشد في تفسيره ( ص ص 744 - 746 ) . ومع أنّ أرسطوطاليس يبيّن الجهات التي تقال عليها الأشياء في أغلب مقالات